تناولت نادية جمال، الباحثة المساعدة في مبادرة الإصلاح العربي، في دراسة بحثية بعنوان «استنساخ التجربة: استمالة الشباب وتجديد السلطوية في تونس ومصر»، كيفية استخدام الأنظمة السلطوية في البلدين لسياسات احتواء الشباب باعتبارها أداة للحفاظ على النفوذ السياسي وتعزيز شرعية الحكم.

 

وتبحث الدراسة في العلاقة بين استمالة الشباب وتجديد الأنظمة السلطوية، موضحة أن الأنظمة العربية طورت أساليب مختلفة لجذب الفئات الشبابية إلى مؤسسات الدولة، بالتزامن مع قمع الحركات التي ترفض الانخراط في هذه المنظومة.


وفي الدراسة المنشورة عبر «مبادرة الإصلاح العربي»، تشير الكاتبة إلى أن الأبحاث السابقة ركزت بصورة واسعة على أدوات القمع والإكراه التي تستخدمها الأنظمة السلطوية للحفاظ على بقائها، إلى جانب استمالة النخب الاقتصادية والشخصيات المعارضة.

 

لكنها ترى أن دور استمالة الشباب في إعادة إنتاج السلطوية لا يزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة، خاصة في ظل اعتماد الأنظمة على ما وصفته بـ«التعلم السلطوي» من تجارب سابقة لتطوير استراتيجيات جديدة للسيطرة السياسية.


الشباب بين الاحتواء والقمع بعد الربيع العربي

 


توضح الدراسة أن الشباب والحركات الاجتماعية التي قادها الشباب لعبت دورًا محوريًا في تحدي الأنظمة السلطوية خلال انتفاضات الربيع العربي. وفي مواجهة ذلك، أعادت بعض الحكومات تشكيل علاقتها بالشباب الثوري عبر استمالة قادة حركات معينة ومجموعات شبابية محددة، مع استمرار قمع من رفضوا الانضمام إلى النظام.


وتقدم الدراسة نظام رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي باعتباره مثالًا واضحًا على كيفية استخدام مزيج من الاحتواء والقمع لتجديد الحكم السلطوي. فبينما ظل القمع أداة أساسية في إدارة المجال السياسي، ازدادت سياسات استمالة الشباب بعد عام 2013 بهدف بناء شرعية جديدة بين الفئات الشابة وتشجيع الولاء لدى من يقبلون الانخراط في المساحات التي يحددها النظام.


وترى الباحثة أن سياسات الشباب في عهد السيسي، مثل المؤتمرات والبرامج التدريبية، تهدف إلى توجيه المشاركة السياسية نحو قنوات منظمة تتماشى مع أجندة الدولة والإصلاحات الاقتصادية ذات الطابع النيوليبرالي. وتربط الدراسة بين هذه السياسات وبين تجارب سابقة في عهد الديكتاتور المصري الأسبق حسني مبارك والديكتاتور التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، حيث استخدمت الأنظمة آنذاك خطاب تمكين الشباب لإظهار صورة الانفتاح، مع الحفاظ على السيطرة السياسية.


مفهوم الاستمالة السياسية وصناعة «المواطن الصالح»

 


تشرح الدراسة مفهوم الاستمالة السياسية باعتباره قدرة النظام على ربط الفاعلين المؤثرين به عبر وسائل رسمية وغير رسمية، بما يمنعهم من استخدام نفوذهم في معارضته. وتشمل الأدوات الرسمية الأحزاب والبرلمانات والمؤسسات السياسية، بينما تعتمد الأدوات غير الرسمية على شبكات المصالح والعلاقات الشخصية.


وتشير الكاتبة إلى أن الأنظمة العربية تستخدم أربعة أنماط رئيسية للاستمالة، تشمل الدمج المؤسسي، وتقديم الحوافز المادية، والاستناد إلى الروابط التقليدية، وبناء الهويات السياسية. وتهدف هذه الوسائل إلى توسيع قاعدة دعم النظام أو الحفاظ على تحالفاته القائمة.


وفيما يتعلق بالشباب، توضح الدراسة أن الأنظمة العربية وظفت سياسات شبابية ذات طابع نيوليبرالي لتشكيل نموذج «الشاب الصالح»، الذي يُعرّف باعتباره شخصًا مسؤولًا ومنتجًا ورياديًا وقادرًا على حل المشكلات بعيدًا عن المطالب السياسية المباشرة. وترى أن هذا الخطاب ينقل مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى الشباب أنفسهم، بدلًا من تحميل الدولة مسؤولية معالجة الاختلالات البنيوية.


فشل استمالة الشباب في تونس ومصر قبل الثورات

 


تؤكد الدراسة أن نظامي بن علي في تونس ومبارك في مصر فشلا في منع الاحتجاجات الشبابية رغم اعتمادهما لسنوات على مزيج من الاحتواء والقمع. فقد أدى ارتفاع البطالة والتفاوت الاجتماعي وتراجع جودة التعليم إلى اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يعيشه الشباب.


وتشير الباحثة إلى أن سياسات الشباب في البلدين قدمت وعودًا بالمشاركة والتمكين، لكنها لم توفر فرصًا حقيقية للحراك الاجتماعي أو السياسي. كما أن الوصول إلى الفرص غالبًا ما ارتبط بالانتماء إلى شبكات السلطة والحزب الحاكم، ما عزز مشاعر الإحباط لدى قطاعات واسعة من الشباب.


وفي تونس، استخدم نظام بن علي خطاب «رئيس الشباب» للتأكيد على رعاية الدولة للأجيال الجديدة، بينما اعتمد نظام مبارك خطاب دعم «الأجيال الواعدة». لكن الدراسة ترى أن هذه السياسات لم تعالج الأسباب الأساسية لغضب الشباب، بل ساهمت في زيادة التناقض بين الوعود الرسمية والتجارب اليومية.


تجربة السيسي: إعادة إنتاج الاستمالة بأسلوب جديد

 


ترى الدراسة أن السيسي تبنى أساليب مشابهة لتجارب مبارك وبن علي، لكنه قدمها بصورة أكثر تنظيمًا وطموحًا. فبدلًا من الاعتماد على حزب حاكم مهيمن، ركز النظام على إنشاء شبكات شبابية مرتبطة بالدولة عبر برامج التدريب والمؤتمرات والمبادرات الرسمية.


وتشير الدراسة إلى أن إطلاق برامج مثل البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب والأكاديمية الوطنية للتدريب ومنتديات الشباب العالمية جاء بهدف إنشاء قاعدة من الشباب الموثوق بهم سياسيًا، وإيجاد مساحات مشاركة تخضع لإدارة الدولة.


كما توضح أن حزب مستقبل وطن يمثل محاولة لتوفير قناة سياسية رسمية للشباب المنخرطين في هذه البرامج، لكنه لم يتحول إلى قوة سياسية مستقلة، بل ظل أداة مرتبطة بالنظام. وترى الباحثة أن إبعاد بعض الشباب الذين صعدوا عبر هذه المسارات بعد انتهاء الحاجة إليهم يكشف حدود هذا النموذج.


وتلفت الدراسة إلى أن المشاركة في البرامج الشبابية لم تكن متاحة بالتساوي أمام جميع الفئات، إذ غلب عليها حضور الشباب من الطبقات الاجتماعية الأكثر حظًا أو الذين لديهم خبرة سابقة في المبادرات المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني.


الخلاصة: تغير الأدوات واستمرار الهدف

 


تخلص الدراسة إلى أن استمالة الشباب لا تزال تمثل أداة أساسية في أنظمة الحكم السلطوية العربية، لكنها لم تنجح في معالجة المشكلات التي دفعت الشباب إلى الاحتجاج في المقام الأول. فقد تمكنت الأنظمة من تطوير خطاب أكثر حداثة يعتمد على مفاهيم ريادة الأعمال والابتكار والمسؤولية الفردية، إلا أن هذه الخطابات لم تترافق دائمًا مع تغييرات حقيقية في الواقع الاقتصادي والسياسي.


وترى نادية جمال أن تجربة مصر الحالية تختلف عن عهد مبارك وبن علي في أسلوب التنفيذ، لكنها تشترك معها في الهدف الأساسي، وهو احتواء الشباب وتوجيه مشاركتهم ضمن حدود يحددها النظام. وتخلص إلى أن استمرار الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي قد يؤدي إلى تراجع فاعلية هذه السياسات مستقبلًا.


وتشير الدراسة إلى أن النظام المصري يعتمد بدرجة كبيرة على الأجهزة الأمنية مع ضعف قنوات الوساطة السياسية التقليدية، مثل الأحزاب المستقلة والنقابات ومنظمات المجتمع المدني. وترى أن أي تحول مستقبلي في علاقة الدولة بالشباب سيعتمد على قدرة النظام على معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع إلى الاحتجاج، وليس فقط تطوير أدوات الاحتواء.

 

https://www.arab-reform.net/publication/rinse-and-repeat-youth-co-optation-and-authoritarian-renewal-in-tunisia-and-egypt/